محمد جمال الدين القاسمي
273
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
يقاومه ، وغالبا على من يغالبه ، ونافذا في إزهاق ما يخالفه . وكونه مؤثرا في إيجاد الأمة ، وبقاء الشريعة ، ونفوذ الحكم ، وثبوت الكلمة ، لما جعل الله فيه من النور ، والهداية ، والرحمة . وعبارته : إنّ كلام الله تعالى يمتاز عن غيره بالنفوذ ، والغلبة في هداية الخلق ، وإنشاء أمة مستقلّة ، وإبقاء شريعة جديدة . وهي علامة كافية في معرفة الكلمات الإلهية ، والآيات السماوية . ثم قال : وخلاصة تقرير الدليل أن الكلام - الذي يتحدّى الداعي به ، وينسبه إلى الله - إذا ظهر منه التأثير التام في هداية النفوس المستعدة الطالبة ، وقهر الأمم المنكرة المانعة ، فأوجد أمة مستقلة نامية ، وشريعة جديدة باقية ، فلا يبقى ثمّة شك أنه هو كلام الله النازل من السماء ، والقدرة الظاهرة منه هي القدرة التي منذ القديم ظهرت من المرسلين والأنبياء . وإلى هذه النكتة أشير في قوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ [ الأنفال : 7 ] وقال تعالى : وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ [ الشورى : 16 ] وهذه العلامة لا توجد إلّا في كتب الله تعالى . ويتمكن كل إنسان أن يدركها ويفهمها منها . سواء كان عالما ، أو أميا ، أو عجميا . شرقيا ، أو غربيا . . . ! فمن الذي يشك أن بني إسرائيل ما خرجوا عن ظلمات الجهل إلى نور الإيمان ، وعن ذلّة العبودية إلى عزّ الاستقلال إلا بسبب التوراة . . . ؟ ! ومن الذي يجهل أن الأمم الأوروبية ما وصلوا إلى عبادة الله تعالى - بعد عبادة الأوثان - إلّا بواسطة الإنجيل . . . ؟ ! ومن الذي لا يعرف أن الأمم الكبرى - من حدود الشرق الأقصى إلى أقاصي إفريقيّة - ما خرجوا عن ربقة الوثنية ، وعبادة النار إلى التوحيد وعبادة الله إلّا بهداية القرآن العظيم ؟ وما تحروا عن أغلال العقائد الفاسدة ، والأعمال القبيحة ، وما وصلوا إلى الأخلاق الفاضلة ، والعقائد الصحيحة إلّا بنور هذا السّفر الكريم . . . ؟ ! ثم قال : والخلاصة إن هذه العلامة وهي هداية النفوس ، وإيجاد الديانة الجديدة - بقهر الأديان القديمة ، وتبديل العوائد العتيقة - هي العلامة الظاهرة المميّزة بين الكلمات الإلهية ! والمصنّفات البشرية . حتى أن أول نفس أذعنت بحقيقة رسالة رسول ، وصدق شريعته ، لو لم تعرف في نفسها هذه الهداية ، ولم تشعر في ذاتها بهذه المغلوبية لما كانت أول من صدّقه ولبّاه ، واتبعه وآساه ، فإن محبّة الدين القديم الموروث راسخة في جميع النفوس . والخوف من تبديل أركانه وآدابه متمكّن في أعماق القلوب .